منوعات

زولة رأي :تاني ريدة.. حين يكتشف القلب أنه قادر على الحب من جديد

قراءة فنية في واحدة من درر الفنان العظيم صاحب التجربة الفنية الخالدة عبد الكريم الكابلي

زولة رأي : تاني ريدة.. حين يكتشف القلب أنه قادر على الحب من جديد
قراءة فنية في واحدة من درر الفنان العظيم صاحب التجربة الفنية الخالدة عبد الكريم الكابلي
بقلم ماجدة الحسين
ليس كل ما نسمعه من الأغاني يُسمّى طرباً، فبعض الأغنيات تُسمع بالأذن، بينما هناك أغانٍي أخرى تُسمع بالقلب.
ومن تلك الأغنيات التي تتجاوز حدود اللحن والكلمات، تقف «تاني ريدة» لعبقري الفن السوداني عبد الكريم الكابلي؛ أغنية لا تبدو كحكاية حب عابرة، وإنما كرحلة كاملة داخل قلب اكتشف، رغم كل ما عرفه من الغرام، أنه ما زال قادراً على أن يحب من جديد.
واللافت فنياً أن الكابلي هنا هو الشاعر والملحن والمغني في عمل واحد، وهو ما يمنح الأغنية وحدة فنية نادرة؛ فالكلمة خرجت من إحساسه، واللحن جاء متماهياً معها، ثم جاء صوته ليمنح الاثنين الحياة.
«تاني تاني ريدة.. كمان جديدة»
من العنوان وحده تبدأ الحكاية.
لم يقل الكابلي «ريدة جديدة» فقط، بل قال:
«تاني تاني ريدة.. كمان جديدة»
وهنا تكمن المفارقة الشعرية الجميلة.
إنه حب جديد، لكنه يأتي للقلب الذي سبق له أن أحب.
كأن الإنسان يستطيع، بعد كل التجارب، أن يقف أمام الحب مرة أخرى بالدهشة نفسها، وأن يشعر بأن قلبه لم يتعلم الحذر تماماً.
ولهذا يخاطب الكابلي قلبه:
«يا قلبي مالك في دروب دلالك
تحكم علي بعيون سعيدة»
الحوار هنا ليس بين عاشق ومحبوب فقط، وإنما بين الإنسان وقلبه؛ بين العقل الذي يعرف ما مرّ به، والقلب الذي يصرّ على أن يخوض التجربة مرة أخرى.
الكابلي الشاعر.. حين يتحول الجمال إلى تفاصيل
من أجمل ما في النص أن الكابلي لا يصف المحبوب وصفاً مباشراً.
إنه يلتقط التفاصيل الصغيرة:
البسمة،
واللفتة،
والضحكة،
والمواهب،
والحسن.
ثم يذهب بالصورة أبعد من ذلك حين يقول إن الحديقة نفسها تتمنى هذا الحسن.
وهنا تظهر شاعرية الكابلي؛ فهو لا يرى الجمال باعتباره ملامح فقط، وإنما يراه طاقة تحيط بصاحبها وتؤثر في المكان من حوله.
إنه أسلوب يجعل المستمع لا يسمع وصف الحبيب فقط، بل يكاد يراه.
الليل.. النجوم.. والقمر
ثم تأخذ الأغنية منحى أكثر رومانسية.
الليل، النجوم، القمرة، الغيمة الصديقة، والخيال.
إنها ليست مجرد مفردات شعرية جميلة، بل فضاء كامل يصنعه العاشقان لأنفسهما.
يسهران، يحلمان، ويبنيان آمالهما في الخيال.
وهنا ينجح الكابلي في صناعة ما يمكن تسميته المشهد السينمائي الغنائي؛ فأنت لا تستمع إلى كلمات فحسب، بل ترى أمامك ليلة سودانية هادئة، وسماء مفتوحة، وقمرًا يراقب حكاية حب تتشكل بين شخصين.
ثم تأتي المفاجأة:
«وفجأة في وسط الأماني
بين تاب قلبنا غنوا الأغاني
نلقاها تاني
في ريدة كمان جديدة»
وهنا يعود العنوان من جديد، لكن بعد رحلة عاطفية كاملة.
الحب عند الكابلي ليس وردياً دائماً
لو كانت «تاني ريدة» مجرد أغنية غزل، لما بلغت هذه الدرجة من العمق.
الكابلي يعرف أن الحب ليس ابتسامة فقط.
في الحب أيضاً خوف.
ولهذا يقول:
«والخوف يا غالي
تسرح طوالي
تدخل بحورا تغرق آمالي»
فكلما زادت قيمة الحبيب في القلب، زاد الخوف من فقده.
وهذه من أكثر المناطق صدقاً في الأغنية؛ لأن الكابلي لا يرسم الحب باعتباره حالة مثالية بلا قلق أو اختلاف، وإنما يقدمه كما يعيشه الإنسان الحقيقي: اقتراب وابتعاد، رضا وغضب، أمل وخوف.
«أغضب وأرضى.. لازم أشاطرك»
هذه الجملة تحديداً تحمل فلسفة عاطفية عميقة.
فالعاشق هنا لا يقول إنه يريد حبيباً مثالياً.
بل يقول، بمعنى واضح، إن الحب الحقيقي يعني أن أشاركك حتى تفاصيلك المتناقضة.
أغضب وأرضى..
أي أن العلاقة ليست لحظة رومانسية مستمرة، وإنما حياة كاملة بكل ما فيها.
ثم تأتي واحدة من أكثر لحظات الأغنية سخاءً:
«وكان أصلي فاني
هاك كل حناني»
وكأن العاشق وصل أخيراً إلى منطقة لا يعود فيها قادراً على إخفاء شيء.
يقدم كل الحنان.
كل الشعور.
كل القلب.
ثم يعود الكابلي مرة أخرى إلى اللازمة:
«ودوبني تاني
في ريدة كمان جديدة»
وكأن الحب لم يكتفِ بأن يبدأ من جديد، بل أعاد تشكيل صاحبه من الداخل.
اللحن.. حين لا ينافس الكلمة بل يحتضنها
فنياً، قوة «تاني ريدة» لا تأتي من النص وحده.
الكابلي، بوصفه كاتب النص وملحنه ومؤديه، استطاع أن يجعل العناصر الثلاثة تتحرك في اتجاه واحد.
فاللحن لا يبدو منفصلاً عن الحالة الشعرية، ولا الصوت مجرد وسيلة لقراءة الكلمات.
هناك مساحة للهدوء حين يكون المشهد حالماً، ومساحة للتصاعد حين يصل النص إلى الخوف والقلق، ثم تعود الأغنية إلى دفئها في اللازمة.
وهذه هي إحدى علامات العمل الغنائي الناضج:
أن تشعر بأن اللحن كان يعرف الكلمات قبل أن تُغنّى.
لماذا بقيت «تاني ريدة»؟
لأنها لا تنتمي إلى زمنها وحده.
هي أغنية عن تجربة إنسانية تتكرر في كل زمن:
أن يخذلنا الحب مرة، ثم نجد أنفسنا مستعدين لمنحه فرصة أخرى.
أن نقول إننا تعلمنا، ثم يأتي شخص واحد فيعيد ترتيب كل ما تعلمناه.
أن يخاف القلب، لكنه لا يتراجع.
ولهذا فإن «تاني ريدة» ليست فقط أغنية عن الحب الثاني.
إنها أغنية عن قدرة القلب على التجدد.
وربما لهذا السبب تحديداً ظل الكابلي حاضراً في الذاكرة السودانية؛ فصوته وكلماته ارتبطا بالرقة والدفء والتطريب، وهي سمات ظل النقاد والكتّاب يستحضرونها عند الحديث عن تجربته الفنية.
الكابلي.. مدرسة لا أغنية
حين نتأمل «تاني ريدة» اليوم، ندرك أن قيمة الكابلي لم تكن في امتلاكه صوتاً جميلاً فقط.
كان مشروعاً فنياً متكاملاً.
يكتب القصيدة، ثم يسمع موسيقاها في داخله، ثم يمنحها صوته، فتخرج الأغنية وكأنها ولدت مرة واحدة مكتملة الروح.
ولهذا فإن «تاني ريدة» ليست مجرد أغنية قديمة نعيد الاستماع إليها من باب الحنين.
إنها درس في كيفية تحويل الإحساس إلى شعر، والشعر إلى لحن، واللحن إلى ذاكرة.
وربما أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الرحلة مع الكابلي هو أن الأغنية نفسها تمنحنا الإجابة:
«تاني تاني ريدة.. كمان جديدة»
فبعض القلوب، مهما أتعبتها الحياة، لا تتعلم كيف تتوقف عن الحب.
وهنا…
يصبح الفن هو الذاكرة التي لا تشيخ،
ويصبح الكابلي واحداً من أولئك الذين تركوا في الوجدان السوداني أغنيات لا تنتهي بانتهاء زمنها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى